top of page
Search

حين يدقّ ناقوس الإدراك ..

  • Jan 3
  • 3 min read

Updated: Jan 11





و يأتي ذاك اليوم الذي تولد فيه للمرّة الثاّنية ، ليس من رحم أمّك هذه المرّة ، و إنّما من داخلك أنت ،عندما تُدرك بأنّ الحياة ليست مجرّد أيّام تقضيها إلى أن ترحل منها ، بل هي رحلة إكتشاف لنفسك و إختيارك لطريق يناسب روحك ، و سفر إلى أعماقك يلزمه الكثير من الزاّد ، الدّعاء و الصّبر ..


ما أعظم الفرق بين أن نحيا بوعي و أن نعيش بدون حضور حقيقي ، و لكن لا مجال لجلد الذّات هنا فالخبرة قليلة و الوعي العميق بالذّات يكاد يكون منعدما ..

كيف لا و الخبرة لا تأتي إلاّ بعد تحدّيات الحياة ، و الفهم العميق إلاّ بعد الدّروس ، و الحكمة إلاّ بعد الألم في أغلب الأحيان .. لحظة الإدراك لا تأتي في سنّ معيّن بل هي تجربة فرديّة بامتياز..تأتي ربما بعد خسارة ، تجربة صعبة ،أو تأمّل عميق ، المهمّ أن يكون هذا هو السّبب في أن يسقط ستار الغفلة ، و ينقشع ضباب الجهل لتشرق شمس البصيرة لترى أخيرا بأنّك قد ظلمت نفسك في بعض جوانب حياتك بتصرّفات أو قرارات خاطئة ، تجلس أخيرا في خلوة مع نفسك تتبادلان أطراف الحديث ، تلومها تارة و توبّخها و تجلدها أخرى ، لا داعي لهذا ، فلا جدوى منه على الإطلاق ، بدل ذلك حاول أن تتعرّف عليها من جديد بعدما مرّت عوامل كثيرة غيّرت ملامحك حتى اختلط عليك صوتك بصدى الآخرين ، اكتشفها مجدّدا بعدما عبثت سذاجتك ببوصلتك فسرت في طريق لا يشبهك ..


ربّما أخطأت في حقّ نفسك أو في حقّ الآخر، ربّما سلكت طريق تخصّص لا تطيقه لأنه يرضي والديك ، ربّما تكره عملك و لكن ليست لك الشجاعة لكي تغيّره ، ربما تؤجّل سعادتك إلى حين تحقق كلّ أهدافك ، ربّما ابتعدت عن الله تعالى ،أو كأن تعيش وفق ما يُنتظر منك لا ما تحتاجه ، أو أن تجلب إلى نفسك أمراضا جسديّة كنت في غنى عنها لو فهمت متطلّبات جسدك ..أمثلة مُحتملة و لا حصر لها أبعدتك عن مسارك الحقيقي ، الذي يشبهك ..

و اليوم وُلدت من جديد ..

هذا الميلاد و هذه البصيرة الجديدة لا تعني أبدا أنّك فهمت كلّ شيئ و أنّ حياتك ستتغيّر اليوم ، بل تعني أنّك وقفت في بداية الطريق الصّحيح ، و من أدرك أنّه ظلم نفسه بأيّ شكل من الأشكال لم يعد ظالما بل واعيا في طريق العودة ..


كنت تمشي بلا وعي في الطّريق الخطأ في بعض جوانب حياتك مُعتادا عليه حتّى وُلدت من جديد فاستيقضت لترى نفسك بوضوح ..



أن تولد من جديد يعني أنّك فهمت بأنّ الهروب من نفسك لم يعد حلّا نافعا ، بل المواجهة..

بأنّك لا تعرف الكثير لذلك أصبح العلم و البحث هو السّبيل ..

أن تجلس إلى مشاعر الحزن و الألم و الرغبات و الأحلام الخاصة بك أنت ومحاولة فهمها بصدق بدل تصدّيها و إخفائها و عدم الإعتراف بها ..

أن تتجرّد من كلّ أنواع الأقنعة لتتضّح لك الرّؤية ..

أن تدرك بأنّك هنا في الحاضر و بأنّ الماضي لم يعد موجودا فاستخلص منه الدّروس و العبر لألاّ تعيد نفس القرارات الخاطئة الاّواعية ثمّ اغلق الباب ..

أن تتعلّم كيف تكون واعيا منذ الآن بأقوالك و أفعالك و قراراتك ، لكي تستطيع التّغيير ..

أن تولد من جديد لا يعني بأنّك أصبحت كاملا أو بلا أخطاء بل تسير على النّهج السّليم و تتعلّم باستمرار و تُصلح في كلّ مرّة..مع الإعتراف بأنّك لا تعرف كلّ شيئ و بأنّ هناك أمورا فوق إدراكك..لذلك كان الرّفق بنفسك أمرا ضروريّا لأنّك و أنت في الطريق ستؤمن بأمور ثمّ تشكّ ، ستفهم ثمّ تجهل ، ستفرح و تحزن ، سترضا ثم تشكو ، ستتقدّم ثمّ تتراجع ، ببساطة لأنّك لا تزال على الطّريق ، لذلك كان الصّبر و الدّعاء و الثقة بالله هي الوقود الذي يدفع بالنّفس للإستمرار رغم كلّ شيئ ..


و أنت في الطّريق تذكّر بأنّك هنا لتكون واعيا حاضرا غير مغيّب لتحسّن من جودة حياتك ماديّا و روحيّا ، نعم و لكن إلى جانب ذلك هناك أحيانا أمورا تحدث خلال هذه الرّحلة لا تجد لها سببا أو تفسيرا إلاّ لاحقا ،ربّما فهذه حلّها التّسليم لله تعالى لأنّه بحكمته يدبّر الكون و يدبّر حياتك بطريقة لن تفهمها ، و هذه إن تأمّلت فيها بعمق تجد أنّه لم يحمّلك إلاّ ما تستطيعه أنت من مسؤوليّة ، و أنّه تكفّل هو بأهمّ شيئ و هو تربيتك ثمّ إيصالك إلى المكان الذي يشبهك لا الذي اعتدت عليه ، المكان الذي تكون فيه نافعا لنفسك و لغيرك ، إلى الموقع الذي ستمارس فيه دور الخليفة الذي اختاره الله لك من منطلق علمه بك، و تترك أثرا يشهد لك .



نحن لا نولد من جديد لنصبح مثاليين بل لنكتشف أنفسنا و نحمل مسؤولية ما منحنا الله ،و كل يوم هو فرصة جديدة لنسير في المسلك الحقّ بخطوات صغيرة ،قلب صادق و روح حاضرة.










 
 
 

Comments


Send a message to the Horizon.
راسل الأفق .. وشاركني رأيك

© 2025 by Ufuq.

bottom of page